حكاية أخرى "غير منسية"
حكاية أخرى غير منسية
ولقاء عابر في مكان ما.
قٌرْبَ نافذةٍ.
كانت هناك تنتظر..
وحيدة، قلقة ويائسة ككل المحبين.
حين وصلت إلى السينما، قطعت التذاكر واتجهنا إلى القاعة مباشرة. أتى شاب في مثل عمرنا تقريبا، التقطنا من وسط الداخلين. أومأ برأسه شاكرًا بعد أن داعبت أطراف اصابعه الورقة النقدية بحرفية معالج وخز بالإبر الصينية. أجلسنا في مكان هادئ من الصالة وفي مستوى رؤية جيد.
الفيلم الذي اخترناه لم يكن له جمهور كبير. جمع صغير لشباب يجلسون في الصفوف الأمامية وفي أماكن متفرقة؛ انزوى كل فتى بفتاته في عزلة. وبين مشهد وآخر يسمع هسيس الرفقاء، همهماتهم وضحكاتهم المكتومة. ويبدو أنني ضيعت على نفسي متابعة للفيلم، بما يدور في القاعة.
كنت أختطف بزاوية أتأملها تنظر أمامها نحو نقطة غير مرئية.
فتح باب بالقرب منا، من كوة صغيرة تسللت حزمة ضوء متلألأة، كأنه شعاعٌ متفلت من ثنايا زمن سحري، اضاء وجهها الشاحب كالقمر، ظل شعرها المنساب على كتفيها كنهر مظلم تتراقص أمواجه، وعيناها تلتمعان في الصالة شبه المظلمة.
كان على وجهها ابتسامة خفيّة، تتبدى على شفتيها المضطربة، تظهر وتتخفي على وجنتيها، كأشباح فراشات راقصة. كانت رقيقة كسحائب من مخمل، كأنها ليست حقيقية. فكرت أنى لو مددت يدي نحوها لن أمسك إلا الهواء. كنت اتطلع إليها.. ملابسها التي تبدو شاحبة، أصابعها الرهيفة، عنقها الناعم، وعلى ايقاع تنفسها الهادئ غرقت في نفسي وفي عينيها التي ألّفت من أجلها أولى أغنياتي؛ خيل إليّ أن شفتيها تحركت.
أخيرًا..
كانت تلك فكرتها. أن نلتقي في الجامعة أولا، ثم نذهب لمشاهدة الفيلم. ولا أعرف لم، نحن من المدينة نفسها، ويمكن أن نتمشى قليلا أو أن نركب سويا نفس المواصلات. لكنها كانت، تطلب مني أن نكتفي، بلقاءاتنا القصيرة. هل اللقاء في الجامعة، يعني أننا لسنا سوى أصدقاء؟
حين وصلت. لا أدرى هل كانت تلومني على تأخري أم لأنني كنت صامتا. كمن نزل عليه سهم الله. اعتذرت لها. وطلبت منها أن تسامحني. حركت يديها في الهواء بحركة معتادة قبل أن تهم بالكلام ثم صمتت لحظة وقالت: لا داعي لكل ذلك. خرجت الكلمات من بين شفتين مرتعشتين.. أم أنه كان توتر أحبالها الصوتية.
وأيضا كانت تلك هي طريقتها لبدء الحوار. وقتها لم أكن أدري. وتصورت أننا يمكن أن نحاول مجددا. وتذكرت حين وقفنا خلف تلك النافذة نتأمل الحديقة الصغيرة في شرفة أحد العمارات المقابلة للكلية. كانت هناك فتاة تسقى الورود ثم أتى شاب من وراءها وقبلها في عنقها. كنا نقف ويدها في يدي والأصابع تتحسس. أنا الذي لم تكن تعوزني الكلمة، اختلقت منولوجا في رأسي.
- عيناكِ؟ قلت.
ما بهم. قالت.
- غابتا نخيل ساعة السحر.
صمتٌ.
- أو غرفتانِ راح ينأى عنهما القمر..
غرفتان! رفعت حاجبيها بدهشة رائعة.
كانت بالطبع تعرف الأبيات. فهي التي عرفتني على السياب. آه.. نسيت.. ربما من فرط الانفعال. ارتسمت مجددا على ثغرها ابتسامتها الممزوجة بالعذوبة والسخرية.
تساءلت: وماذا أيضا؟
- عيناكِ!
ها نحن نعود مجددا..
- حين تبسمان..
ما الذي يحدث؟
- تورق الكرومْ.. وترقص الأضواء … كالأقمار في نهَرْ.
لم تنطق. تركتني حتى انتهيت. ولم تظهر معرفتها بالكلمات. كأنها تسمعها لأول مرة. وبعينيها ألقٌ محيّر..
أشارت بأصبعها الرهيف قائلة: لا بد وأن هناك شيء وراء ؟
- نعم.
أومأت برأسها مستفهمة...؟ كانت تعني أن أُكمل ما بدأته.
أريد أن أُقَبلك. قلت في نفسي بينما أتابع عيناها تلتمعان، تومضان، وتخفقان بسرعة كالبرق. من المؤكد أنها قرأت كل ما يدور بداخلي من أفكار. كنت ممسكًا بيدها بالفعل. وكان العالم يدور في الخارج. بينما منحتني الحياة لحظة لن أنساها إلى الأبد.
هل نسيت؟ سألَتْ.
- نعم نسيت. إلى جوارها ينسى المرء نفسه ويفقد احساسه بالزمن.
لقد تأخرت...
لا وقت هنا. فالحياة بقربك يا حياتي خارج حدود الزمان. تورد خديها خجلاً.
كانت بالقرب منى، وكنت مزهواً بنفسي. وأردت أن أبهرها بكلماتي لكنني عجزت عن ذلك. كم تمنيت البقاء إلى جوارها للأبد.. أن نظل في ذلك الدور هكذا وحيدين. أو أن نختفي في تلك الظلال المتراقصة. كان هناك جسراً خفيا يمتد بينى وبينها أكثر فأكثر. منذ اليوم الأول وقد رأيت في عينيها أن تلك الفتاة الذكية ستكون سببًا في أن أذق طعم الحياة وقرأت أيضا أنها ستكون سبب عنائي وشقائي.
- تأخر الوقت فعلا. رددت ما قالته بسذاجة.
حسنا، نتمشى إذن؟
أردت أن اقترب منها أكثر. فكل محاولاتي للكلام كانت تبوء بالفشل. خطوة واحدة. هذا كل ما أحتاجه. خطوة واحدة هي التي تفصلني عن عالمك.
أطول خطوة تمشيها على الإطلاق.
إلى متى ستظل صامتا هكذا؟
تلك الفتاة التي كنت أحب أن أكتب لها شعرا وألقيه على مسامعها. كانت تتركني حتى أنتهى.
لا أعرف ما الذي حدث جعلني غير قادرًا على الكلام. غمغمت ببعض الكلمات الغير مفهومة. هيا تكلم. شجعت نفسي. حاولت أن أتحرر من جميع مخاوفي. ما يمنعني ليست حاجتي للكلمات. ربما ما كان يعيقني هو الخجل أن ترفض.
حسنا سأذهب.
- لا.. انتظري. مددت يدي فتلامست اصابعي برفق.
كانت هناك ضوضاء مبهمة لأصوات مختلطة تأتى من بعيد وشيئا فشيئا.. أخذت تتلاشى. وبدا كما لو أن القاعة يلفها حجاب من ضباب.. يحجب عنها كل الأشياء المادية..
صمتٌ..
صمتٌ محبب، وحزمة ضوء تسللت من نافذة. وكما في الأحلام.. تلاقينا.. كنت أتمنى أن يحدث شيء يجمد تلك اللحظة إلى الأبد.
قربتها نحوي بروية، ضممتها برفق وبخفة ملت برأسي وبحثت عن فمها.
التقت شفتانا، في الوقت نفسه.
والتقت شفتانا، وغرقت في بحر من النعيم. اشتعلت شموس وانطفأت كواكب. لا بد أن مجرى العالم قد تغير في تلك اللحظة. كأننا في غفلة عن الزمن أو عبرنا بوابة إلى عالم آخر.. عالم تسوده المحبة والسكينة ويتخلله سلام لا نهائي. وكما التقت شفتانا افترقت معا. لا قبل ذلك ولا بعده. كأنه اتفاق.
حسنًا. لا تفعل ذلك مرة أخرى.
- ...
حسنًا، سأفعل..
وعد؟
وعد!
ذهبنا إلى السينما. وحين انتهى الفيلم خرجنا لشراء ساندويتشات من مطعم مقابل السينما، ثم بعد ذلك أرادت هي أن تنصرف، لكنني اصررت أن نذهب إلى محل حلويات أيضا في نفس المنطقة. اخبرتها أن ذلك طقس لا بد أن ينفذ بأكمله. سينما، كشري، آيس كريم. اقتنعت. ضحكت.. تمشينا سويا.. لأول مرة، عاودت الكرة مجددا. وافترقنا تحت أشجار الرصيف.
ودعتها! دون كلمة. ووقفت اتأمل ذلك الجسد النحيل الذي كان بين يدي بينما هي تبتعد. وتساءلت كيف يمكن أن نكون قريبين من شخص إلى هذا الحد.. ومن ثم نفترق؟ ظللت حائرا في مكاني حتى وصلت إلى نهاية الممر. لازال رجع خطاها الذي كان يترجع في المكان.. يتردد في داخلي كدقات الساعة.
اقتربت من ميدان المحطة، هائنذا أعود للحياة مجددا. لم يتغير شيء منذ الصباح. لم يحدث انقلابا كونيا. لم تحترق المجرات. الأرض ما زالت تدور حول نفسها وفي الوقت نفسه حول الشمس التي غرقت للتو في آخر نقطة لها. دون أن تشعر بأي شيء.
مشيت بمحاذات الرصيف، ثم عبرت الطريق نحو شارع المديرية تجنبت الشوارع المزدحمة وأخذت أمشي على غير هدى في الحواري الضيقة ذات البيوت القديمة المتآكلة التي سودتها الأيام، والأشجار المحملة بهموم الذكريات والأتربة.
كان المشي تجربة خاصة وممتعة بالنسبة لي. كل تلك الأماكن التي لم أكن أعرفها محلات الأكل والملابس، أكشاك السجائر، والكتب القديمة، المجلات المعروضة على الرصيف، رائحة الشواء التي تدوّخ والآتية من كل مكان، رأيت أمام أحد المخابز رهط يتحركون بخفة وسكينة ينشرون خبزهم فوق اقفصة الجريد على الرصيف. وسيدة ذات شعر فضي ووجه مجهد، شعرت بشيء غامض، يشدني نحوها. كانت تقف في إحدى الشرفات تدخن بنهم شديد وتنظر في الفراغ. تخيلت أن صديقتي ستشبه تلك السيدة بعد مرور الزمن. وأنها ستقف هكذا تنتظر عودتى.
وصلت إلى البيت. والظلام يخيم على الأجواء. كنت أحس بثقل يشدني نحو الأرض وبخفة في نفسي وعدم رغبة في الكلام. دخلت إلى غرفتي محملا بكل تلك التناقضات. دسست نفسي تحت الغطاء. ثم استسلمت لنوم هنيء.
تعليقات
إرسال تعليق