بداية الفاكهي

(1)

كان الفاكهي يتحرك ببطء في جلبابه الأبيض الواسع، ترف به نسمات الصباح، هادئة تراوغ ما يكنسه، فيستدير متمهلًا، ويضغط بأناة على المقشّة، يلُّمَ التراب الرطب، الأكياس، مزق من ورق الجرائد، قطع من عظام الموز. ترك جانبًا أعقاب سجائر -دخنها طيلة الليل- مطفأة في حفنة رمل فوق أوراق تين يابسة. جمع حبات عنب مهروسة، نوى البلح وفرط من عنقه الصغير المنفلت من بين فرجات الأقفاص المرصوصة فوق الرصيف بطريقة مائلة ومستندة على قاعدة المدرّج ووضعها في غطاء من الكرتون. يسحب بعناية، فلا يثير غبارا أو أي من الهوائم الأخرى، التي ما تصدق، فتطفو محلقة، كريش الطيور غير المكتمل، الهارب من تقفيصة الفرارجي، تنفخه هبات الهواء كأنه زهور هندباء وهمية. تحلق عاليًا.. عاليًا حتى تختفي.

لا أحد يعرف فيمَ كان يفكر، لما سحب كومة أخرى ولكن من الرماد .  

(2)

وراء جزع شجرة فكس هزيلة، وسط أوراقها المتساقطة والمسودة بالكامل من خراء الذباب؛ كانت المجمرة، وإلى جوارها أغطية زجاجات البيرة، مضغوطة كحبات الملبس، وحفنة من قشر اللب والترمس، في الزاوية الداخلية ناحية دكان الحاجة أمينة، ومخبأة تحت طاولة العجواني.

 تسد الطاولة مدخل الدكان بالعرض، فيستحيل الدخول إلا بقفزة لتخطيها. مرتكزة على حافة الطوار، ومن الداخل يقيمها حجران كبيران من أحجار الرصيف، تحت كل قدم، تحمل جِنَب العجوة طيلة الموسم. قبل أن يلم العجواني أغراضه؛ الطاولة الصغرى والدُرج، دلو صفيح وشوكة طويلة من الحديد لتفريز البلح، كرسي وشلتة من القش، ويغلق وراءها باب الصاج، يأتمن ما تبقى من بلح عجوة أو منسولة للمرأة خضرة زوجة العسكري لِتبيعها ويغادر إلى بلدته في الجيزة. يغيب ثلاثة أشهر، ثم يعود بمخزون العام الجديد.

 

(3)

في المدخل، بين المُدَرّج والحديد الفاصل لدكان العجواني، تجلس امرأة عجوز، طرحت على رأسها المقمّط خرقة سوداء، نسيجها بالغ الهشاشة، تُظهر قرطها الكبير المتدلي وعنقها الدقيق. بينما تمسك بيد نحيلة نفرت عروقها، طرف عصا من الجريد، وتدوّرها في دلو مملوء نصفه، أخذت تحرك دائريا باتجاه عقارب الساعة، صانعة على سطح الماء، دوامة صغيرة، يدور في مركزها، حبات ملح خشن، تركض في اندفاع، ويرسب في القاع أكثرها كثافة، وهكذا تدوّرها حتى تذوب تمامًا.. تركن بجانبها الأيسر إلى طاولة تشبه مكتب صغير -أو البشتختة، كما تسميها، لها درج صغير بمقبض نحاسي لامع من كثرة السَحب، وضلفة بها على الدوام الأكياس وربط الجرائد، وفوقها الميزان؛ تمر نفحات الصبح الوسنانة بخفة، فتميل إحدى كفتيه وتُفَقّر كمن يقاوم النعاس، (وأقيموا الوز بالقسط)، أمام الميزان سِنَج الوزن، وآلة حادة كالموسي (مقشط الموز) وأصابع متفرقة من الموز. استدارت المرأة نحو البشتختة، فَتحت باب الضلفة، أخرجت كوزًا نحاسيًا وغمرته في الدلو.

 

(4)

شمالًا وعلى اليمين، الطريق الصاعد لمحطة القطار، يمتد صف من الدكاكين متماثلة في المساحة، وفي القذراة، يلي العجواني، مدرج فاكهة قاعدته عند جذع الشجرة المشدودة إليه بخيط دبارة كي يقيم عودها الهزيل، يليه فاكهي آخر، ويفصل بين الفسخاني، ودكانة الشيخ "عرفة" العطار، حمدون بائع الثلج، وبعدهما محل مهجور، بابه مضعوج، ومدخله يعج بالقمامة، أمامه تفرش أم نجلاء (حُسنة) أو احدى بناتها ليبعن الطعمية فقط، نجلاء كانت تظهر نادرا، لا أعرف السبب، لكنها تظهر طوال شهر رمضان، إنها نجلاء اسما ورسما، آه، لنأجل الحديث عن نجلاء لحين، كل شيء بقدر. أما آخر محل عند انحرافة تأخذك لممر يحميه من الجانبين مصد حديد من قضيب القطار، في السابق كان كشكًا لكهل يبيع إلى جانب الدخان شرائط الكلوب وإبر وابور الجاز، قضى من مدة وتنازل الورثة لناظر المحطة، وقيل أنه أخذها بوضع اليد وبصلاته مع موظفي الهيئة، ابتنى دكانًا أوسع من الباقين بعد أن ضم بضعة أمتار من الأرض المهجورة وراء الدكان، ثم غير النشاط إلى فرارجي هو الآخر، ويديره مع أخيه الأعرج.

بعد فاصل لا يزيد عن بضعة خطوات، إلى يمين الطريق الملتف، صعودًا ناحية المحطة، يمتد صف من أشجار السرو الكازورينا والكافور أو ما تبقى منها، تظلل غرف المحطة المواجهة للسور القديم.

 (5)

لا يمكن للعين أن تخطأ المكان، لا بد أننا نرا العديد من تلك الأبنية في كل بلد، أثرًا يخلّد مجد من بنوها، ولا للأنف الذكي تجاهل الرائحة النافذة المنبعثة من كل مكان. من جسد الحجرات، من الجدران الناشعة بالرطوبة، والأسقف المقوضة، الأبواب المتفتئة، كذكرى لأيام غابرة. الرائحة الزفرة لماء تنظيف الدجاج، نتن احشاءها، أشياء فاسدة. الرائحة على أشدها والمكان لم يتغير، حتى أن الممشى في الجزء المتبقي منه وظل معاندًا صروف الزمن مرصوفا بالحجارة تقرقع بهيبة وجلال. كان عامل التحويلة الذي أقام في إحدى الغرف، قبل أن يتزوج من أم أحمد البلانة، ويمنعها من ممارسة تلك المهنة، رزقه الله بطابور من العيال، وقبل أن ينتقل بهم إلى عشة بناها في الناحية الأخرى من المزلقان، وصممت البلدية أن يسقفها بعروق الخشب والبوص كي يسمحوا له بوضع يده على قطعة الأرض الخراب. كان يحكي لنا ذكريات المكان بعيون غيبها المرض والإمعان في الذكرى. 

 

(6)

على اليسار بطبيعة الحال شريط القطار الممتد بلا انقطاع، وإذا حثثنا الخطى نجد على امتداد الرصيف الذي وبرغم كل شييء ظل على حاله، حتى إن تقلقلت حجارته هنا أو هناك، لكنها عولجت بالحصى، لكن لا يخدعك وجهها المصقول، ففي الشتاء يصبح مزلاجة تفرقع عليها أعتى العظام، أما غرف المحطة فأشبه بأفواه مظلمة بها نتوءات مثرمة، مقشرة الطلاء، ترتفع حولها وليس أمامها، أكوام من القمامة ومخلفات البناء، على جانب إحدى الغرف شباكان كبيرين، قريبين من الأرض، لا يفتح احداها، والثاني تنفتح ضلفتاه، يطل من وراء أسياخ الحديد قاطع تذاكر نزق وصعب المراس، وأخرى مغلقة، إذا كنت من معتادي المرور من ذلك الممر يمكنك بين وقت وآخر، أن ترى أحد المخبرين خارجًا منها، يشد وراءه باب الخشب المتآكل ويدير في قفلها مفتاح طويل، صدئ، معلق في حلقة معدنية كبيرة، كالطوق ويحملها في يده وفي الأخرى يمسك الصافرة. 

 (7)

عند انتهاء صف الأشجار قُرب سبيل ماء خرب، حوضه مملوءة بالرمل وأوراق الشجر. يلتقي مع انحناءة القوس المنحدر هبوطًا بسلالم المحطة، بين دورة مياة، تتعرف على مكانها دون حاجة، من الرائحة الزاعقة، حولها حنفيات للوضوء -تسرق على الدوام- وعلى اليسار زاوية صغيرة (مسجد المحطة الآن).
رغم حقارة المنظر ورائحة الرطوبة والعفن المختلطة برائحة نافذة لمخرجات الإنسان والحيوان، المتسربة من وراء الدكاكين، يمكن القول بارتياح أننا أمام لوحة فنية رسمت على عجل لفنان من المدرسة التكعيبية. 
 

(8)

وإذا ما تجاوزت الحمامات ونزلت الدَرَج، تجد عند آخر بسطة الجدار المتين للجمعية التعاونية يلتحم في الحائط الشرفي للمسجد، ويواجه الميدان الواسع حيث يتجمع العربجية وعربات الكارو. ومزيج آخر من الرائحة الحادة. ومجددًا تبدأ انحناءة القوس بسلسلة محلات، عباس سبرتو فني كهربائي ومدمن على الكحول الأحمر، من على الباب تلفحك الرائحة الحارة لمشروبه المفضل، ولا يمكنه اصلاح الأجهزة إلا مع تلك الرشفات التي يأخذها بين فينة وأخرى من الزجاجة الموضوعة في متناول يده. من وراء الأقفاص وعدايات الوكالة خرج كلب عجوز ينفض جسده ويهز ذيله طربًا ربما متجهًا ناحية الجزار في الجهة المقابلة، من أمام دكان البرادعي، يمكنك أن ترى بوضوح الحلقات المعدنية والخوازيق المثبتة على جانبي الدكان، يليه دكانة بواجهة خشبية، بلا يافطة تدل على نشاطه، مغلق دومًا، ويستغل اصحاب الوكالة المساحة أمامه لِرَصّ أقفاص وعدايات ومشنات الخضر والفاكهة.

 

 

 (9)

المنظر البديع لصف الدكاكين المنسقة وفقا لرؤية دقيقة، لولبية، تشبه علب الأدراج، أو خزانات الحمام، سيما دكاكين الواجهة، البضاعة نضدت ورصت ومسحت بعناية فائقة، يصل إلى حد الهوس عند الفاكهي الذي وقف بجلباب على اللحم مظهرا لباسه بلا حياء، المدرج مرصوص من أعلى بالفاخر من الفواكه تفاح مستورد، عنب جناكليز، برقوق ومشمش، وعند القاعدة صينية كبيرة بها هرم من العنب البلدي يضوي كالمرمر. لم يكن ليكتمل المشهد، بالتناغم المرغوب، لا بد لشيء يفسده أو يميزه. بالمقارنة مع دكان آخر على امتداد الرصيف بعد الوكالة قبل استدارته التي ستعود بنا من حيث بدأنا، بنيت غرفتين أو ثلاث. تعشش على جدرانها نباتات متسلقة، شجرة لوف ضامرة ونبتة أخرى تشبه شقائق النعمان. وعند نهايته كشك الكهرباء الموجود تحديدًا في الفجوة بين وكالة "البهائم"، وبين البيت الذي توقفنا أمامه، أي بيت السواحة وعلى جانبية ثلاث شجيرات نخيل، نبتت شيطانيًا، وشجرة رمان ذكر بلا ثمر. 

(10)

لم يشقى أولاد البهائم بالجيرة إلا من تلك المرأة. كانت كالدمل الناتئ في المؤخرة. لم تكن تعبأ بأحد، وللحقيقة أن أولادها وابناء بنتها لهم سمعة في العراك، فلا يفرق عندهم بهائم ولا هم يحزنون. رغم ذلك لم يجرؤ أحد على الاحتكاك بهم. ومن ناحيتهم لم يجرأوا على منادات أصحاب الوكالة باللقب المميز. هم وحدهم قادرون على ذلك. يقف الواحد منهم حين يفتح الشادر صائحًا بعلو حسه: "احنا ولاد البهائم يا جدع" ومن ثم ينطلق قرع طبل بلدي والمنادي يفتح المزاد.

 

(11)

لطالما كانت شجرة الرمان، بأوراقها القصيرة، داكنة الخضرة، دِروة للسواحة، عن الناس، ومن النادر أن تجد زبونا يقف أمامها. انشغلت المرأة عن العناية بمصدر رزقها، بجيرانها؛ تصنع أعمالا، من السحر، كي تجلب الرزق والزبائن، تجلس وسط فرشة، وحولها أكوام من أوراق الشجر والمخلفات، عيدان الأقفاص البالية، تعرض فاكهة، مبعثرة ومتربة، ألح عليها أبنائها لتبقى في البيت ويتكفلوا بها، لكنها كانت تفضل جلستها ومراقبة العالم من وراء نظارتها قعر كباية. وهكذا بالمقارنة مع باقي الدكاكين، يمكن الحكم مع شعور بارتياح غريب، أن الدكانة التي نقف أمامها واستحال لونها إلى الأسود المضمخ بالهباب، وأيضا من خلال شبكة عنكبوت كثيفة، تشكلت في الزاوية، تحت التندة، عند القوائم المثبتة في الواجهة الخرسانية، وداخل علبة الكهرباء، رغم ذلك يمكن التكهن بلون الطلاء الأصلي المتقشر من الواجهة، وإذن كان أكثرها نظافة، رغم حقارته.

 

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حلم التحليق

سلمى