بداية الفاكهي
(1) كان الفاكهي يتحرك ببطء في جلبابه الأبيض الواسع، ترف به نسمات الصباح، هادئة تراوغ ما يكنسه، فيستدير متمهلًا، ويضغط بأناة على المقشّة، يلُّمَ التراب الرطب، الأكياس، مزق من ورق الجرائد، قطع من عظام الموز. ترك جانبًا أعقاب سجائر -دخنها طيلة الليل- مطفأة في حفنة رمل فوق أوراق تين يابسة. جمع حبات عنب مهروسة، نوى البلح وفرط من عنقه الصغير المنفلت من بين فرجات الأقفاص المرصوصة فوق الرصيف بطريقة مائلة ومستندة على قاعدة المدرّج ووضعها في غطاء من الكرتون. يسحب بعناية، فلا يثير غبارا أو أي من الهوائم الأخرى، التي ما تصدق، فتطفو محلقة، كريش الطيور غير المكتمل، الهارب من تقفيصة الفرارجي، تنفخه هبات الهواء كأنه زهور هندباء وهمية. تحلق عاليًا.. عاليًا حتى تختفي. لا أحد يعرف فيمَ كان يفكر، لما سحب كومة أخرى ولكن من الرماد . (2) وراء جزع شجرة فكس هزيلة، وسط أوراقها المتساقطة والمسودة بالكامل من خراء الذباب؛ كانت المجمرة، وإلى جوارها أغطية زجاجات البيرة، مضغوطة كحبات الملبس، وحفنة من قشر اللب والترمس، في الزاوية الداخلية ناحية دكان الحاجة أمينة، ومخبأة تحت طاولة العجواني. تسد الطاولة...