سلمى
كنت أقف مستندًا إلى سور مدرسة الزراعة في انتظار سيارة.
في الناحية المقابلة، تحت كوبري الجامعة تجمعات أخرى ينتظرون.
كان الغروب يلقي بظلال برتقالية وأخرى رمادية على واجهة المحلات الزجاجية. خرج كهل من أحد المقاهي بيده خرطوم وأخذ يرش الأسفلت. تحرك الواقفين ناحية السلم الصاعد للكوبرى. عند معرض التعاونية، بعيدًا عن المقهى، حلقات صغيرة لفتيات، وعلى الرصيف أمام الواجهة، وقفت إحداهن ترتدي نظارة سوداء، وتحتضن أكلاسيرًا. تحرك رأسها كما لو كانت تطرد خاطرًا، فيتراقص شعرها المضموم للوراء. دوى صوت زاعق، انتفض طائر وحلق في الهواء، رفعت رأسي وتابعته، كان سرب من الطيور، يحلق في موجة رائعة، يميل مع النسيم، هنا وهناك، ليس أجمل من الحرية سوى الاكتفاء.
انتهى الكهل من رش الأرض، وأخذ المارة يرفعون ذيل ثيابهم. وهرع صبي يفرد الطاولات ويرص حولها الكراسي. تمنيت لو تبقى معي جنيهًا -إضافيًا- كي اجلس على المقهى وأطلب شايا وأدخن. لكن طريقي من الكلية إلى وسط البلد، تعيدني يا مولاي كما خلقتني، أقصد من دون نقود طبعا. ما حدث أنني فى طريقي نحو الميدان انعطفت ناحية البواكي. وبينما أنكش في تراب الأرصفة، وجدت كتابًا كنت ابحث عنه من مُدّة. دفعت فيه ما تبقى معي من نقود، وبمشقة بعد ملاحاة مع البائع، تمكنت من خصم جنيه إلا ربع.
أعاد لي الباقي متصنعا الضيق: "عاوزين تتثقفوا ببلاش!"
لم أعلق.
كان معي فوقها "ريالًا" زيادة.
لا أعرف ما الداعي الذي دفعني كي لا اذهب إلى محطة القطار، كنت وفرت على الأقل نصف جنيهًا أو أكثر إذا ادّعيت أنني من بنها أو تسربت من الكُمْساري. لكنني فضلت السير وأكملت طريقي في شارع الحكمة.
يبدو أنها عادة اكتسبتها مع الوقت. المشي والتنقيب على الأرصفة وتأمل واجهات البيوت والمحلات القديمة. توغلت في حارة جانبية وتوقفت أمام فرن، أعرفه جيدًا، اشتريت قرصة بالسمسم ومحشوة بالملبن، أخذت ألوكها وانحرفت خارجًا إلى الطريق العام. وصلت بالقرب من الشيخة صباح وملت نحو السبيل وأخذت أعب من ماءه البارد.
في ظل غرقي في خيالاتي وحساباتي المالية الباهتة، تذكرت السيجارة، آخر سيجارة، دسست اصبعين في جيب القميص وأخرجتها، عدلتها، والقمتها فمي، تحسست جيوبي فلم أجد المشط كبريت. ظللت أقلب صفحات الكتاب بعقل مشوّش وسيجارة مطفأة ترقص على طرف شفاهي. وبين فينة وأخرى أتابع سرب الزرازير واسحب منها. عند نزلة السلم، فتح باب ميكروباص، ونزلت مجموعة من الركاب. استوقفت شابا تبدو هيئته أكثر هندامًا واحتراما، وأشعلتها.
لم انتبه، هل كانت معهم، لكنني رأيتها تقف مع صديقتها. لم يكن وجهها، غريبًا علي، أين رأيتها، متى. لا أذكر.
تقدّمت فتاة، كانت تقف على الجانب الآخر. ترتدي قميصًا بنفسجي، وبنطالًا أسود، وأخذت تعبر الطريق.
لا أعرف لما راودتني تلك الخاطرة -العجيبة- بأنها تقصدني -أنا- تحديدا.
تصنعت الاهتمام بكعب الكتاب الأبيض الخاوي تماما من أية كلمات، إلى أن وقفت أمامي بسماحة وجه وابتسامة آسرة.
قالت:
"أهلًا".
قلت بتردد:
"أهلًا.. وسهلًا".
وقفت أمامها كمن نزل عليه "سهم الله".
تخيلتها نفس الفتاة التي كانت تقف وتداعب شعرها نسمات خفيفة. وتتململ في وقفتها بخطوتين هنا وهناك.
أشارت بإصبعها الرهيف نحوي:
"أنت معانا في صيدلة، صح؟"
كانت تلف رأسها بحجاب فاتح، ويتدلى من كتفها حزام الحقيبة معلق عليه رداء أبيض متسخ قليلًا.
هززت رأسي..
رحت بخيالي في وجهها، الشاحب، كقمر تحجبه سُحُبٌ عابرة.
يبدو أنني شعرت بشيء من الألفة، ربما رأيتها من قبل.
بالتأكيد لم يكن في الجامعة.
قالت كلمة (؟)
فتذكرت أنني في كلية العلوم، السنة الثالثة.
كلنا فى مجمّع واحد. صح؟
هززت رأسي مجددًا، مؤكدًا -هذه المرة- صحة ما تقوله.
ردّت بعفوية:
طيب.
وأشارت إلى الكتاب.
ببلاهة، مددت يدي، التقطته، ولم يختفِ تطلعها الباسم.
قلّبت الكتاب وأعادته لي. لمحتُ أوردتها الخضراء وساعة يدها، والميناء المقلوب عند موضع النبض.
قالت:
"أسلوبه جميل، لكن غامض".
"غامض؟"
"نعم"
"كيف؟"
"ما أعرفش بالزبط لكنه غامض، صح؟"
"صحيح"
"أحب أكثر الشعر العامي"
"من تفضلين من الشعراء؟"
ذكرت اسما لم أتبينه.
"من؟"
التفتت إلى الناحية الأخرى، يبدو أن صديقتها كانت تتعجلها.
بحثت عن شيء في حقيبتها ومدت يدها ببطاقة صغيرة.
مرت بمحاذاتنا الفتاة التي كانت تقف في الناحية الأخرى، شعرها مضموم للخلف، ووقفت على بضع خطوات.
لم تكن البطاقة سوى قصاصة مربعة صغيرة، مطبوع عليها وجه باسم واسم الأسرة التي تنتمي إليها وتلخص الحدث المهم.
حفل يحييه جمعٌ من الشباب الحالم والمثقف أو على الأرجح من مدعى الحلم والفن والثقافة.
"ستحضر؟"
"سأحاول".
"شكرًا"
خبأتُ بطاقتها في الكتاب.
وقلت لها:
"عفواً"
أدارت ظهرها لي وهبطت الرصيف.
وقبل أن تعبر الطريق التفتت مبتسمة: لم تسألني عن اسمي؟!
بدا وجهها وإنحرافة شفتها أجمل كثيرًا.
قلت:
"ما اسمك؟"
عبرت الطريق وظني أنها ما زالت تضحك.
"لا تنس، يوم الإثنين"
توقفت سيارة أمام أحد المحال.
وقبل أن ينفتح الباب هجم الركاب عليها.
لا بد أن صديقتها قد أمّنت لها مكانًا، لأنها اختفت.. أو ضاعت وسط الزحام.
انتظرتُ متخيلا مشيتها وهي تتقدم نحوي مبتسمة، دون خجل، عيونها المشرقة وطريقتها فى الكلام.
عدت إلى البيت محملا بهواجس وشكوك وفي يديّ الكتاب، وبين طياته البطاقة.
تعليقات
إرسال تعليق